الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

239

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عليه مواقع تلك الأجزاء الدقيقة ولذلك قال تعالى : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ [ القيامة : 3 ، 4 ] . فالمقصود هو قوله : وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ كما يقتضيه الاقتصار عليه في تذييله بقوله : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ولم يذكر أنه عليم بأعمال الجوارح ، ولأن الخطاب للمشركين في مكة على الراجح . وذلك قبل ظهور المنافقين فلم يكن قوله : وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ تهديدا على ما يبطنه الناس من الكفر . وأما عطف وَما تُعْلِنُونَ فتتميم للتذكير بعموم تعلق علمه تعالى بالأعمال . وقد تضمن قوله : وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وعيدا ووعدا ناظرين إلى قوله : فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [ التغابن : 2 ] فكانت الجملة لذلك شديدة الاتصال بجملة هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [ التغابن : 2 ] . وإعادة فعل يَعْلَمُ للتنبيه على العناية بهذا التعلق الخاص للعلم الإلهي بعد ذكر تعلقه العام في قوله : يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تنبيها على الوعيد والوعد بوجه خاص . وجملة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ تذييل لجملة وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ لأنه يعلم ما يسرّه جميع الناس من المخاطبين وغيرهم . وذات الصدور صفة لموصوف محذوف نزلت منزلة موصوفها ، أي صاحبات الصدور ، أي المكتومة فيها . والتقدير : بالنوايا والخواطر ذات الصدور كقوله : وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ [ القمر : 13 ] وتقدم بيانه عند قوله تعالى : إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ في سورة الأنفال [ 43 ] . [ 5 ] [ سورة التغابن ( 64 ) : آية 5 ] أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 5 ) انتقال من التعريض الرمزي بالوعيد الأخروي في قوله : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [ التغابن : 2 ] ، إلى قوله : وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [ التغابن : 3 ] ، وقوله : وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ [ التغابن : 4 ] ، إلى تعريض أوضح منه بطريق الإيماء إلى وعيد لعذاب دنيوي وأخروي معا فإن ما يسمّى في باب الكناية بالإيمان أقل لوازم من التعريض والرمز فهو أقرب إلى التصريح . وهذا الإيماء بضرب المثل بحال أمم تلقوا رسلهم بمثل ما تلقّى به المشركون محمدا صلى اللّه عليه وسلّم